حسناء ديالمة

89

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

وإنّ ردّ الصادق واضح كل الوضوح ، وهو تسهيل لبيان المراد ، وإن ذلك الزنديق الذي يعلم العربية لا بد أن يعلم أن كلمة ( إله ) خبر عن مخبر عنه واحد ، وتعدد الأخبار لتعدد المكان لا يدل على تعدد المبتدأ ، كما تقول : الصادق هو العالم في العراق ، والعالم في المدينة والعالم في مكة ، فإن هذا وصف واحد تعدد في أخبار ، باعتبار تعدد الأمكنة ، وهو واحد ، والحقيقة واحدة . هذه المناظرات وغيرها كثير تدل على عناية الإمام الصادق بتصحيح العقائد ، والوقوف في وجه أولئك الذين كانوا ينحرفون في اعتقادهم ، أو يهاجمون الإسلام « وفوق هذه العلوم كان الإمام الصادق على علم بالأخلاق وما يؤدّي إلى فسادها » « 1 » . ومن هؤلاء الذين كانوا يحرصون على سماع مواعظه وحكمه سفيان الثوري محدث الكوفة وفقيهها والذي قال لقيت الصادق فقلت : يا ابن رسول اللّه أوصني ، فقال لي : « يا سفيان ثق باللّه تكن مؤمنا ، وارض بما قسم اللّه تكن غنيّا ، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما ، ولا تصحب الفاجر يعلمك فجوره ، وشاور في أمرك الذين يخشون اللّه عزّ وجلّ » « 2 » . هذه نماذج من جوامع الكلم قد نطق بها ذلك الإمام الجليل عترة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولقد أثر عنه كلام قيم في الأخلاق وتلقّي النفوس لها ، وكانت ذات أثر في الذين التقوا به ، ومن ذلك مجموعات مأثورة . على صعيد آخر نرى بأنّ الإمام الصادق لم يكتف بالدراسات الإسلامية وعلوم القرآن والسّنة والعقيدة والأخلاق ، بل اتجه إلى دراسة الكون وأسراره ، ودراسة الإنسان إجابة لطلب اللّه تعالى من عباده أن ينظروا في السماوات والأرض وما فيهما ، فقد قال تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ « 3 » . فنرى كثيرا من هذه الدراسات في رسالة التوحيد التي أملاها الإمام على تلميذه مفضل بن عمرو الكوفي . ومن الثابت أن الإمام الصادق كان على علم بخواص الأشياء منفردة ومركبة ، وأنه درّس علم الكيمياء في مدرسته ، وقد اشتهر من تلامذته في هذا العلم جابر بن حيان الذي دوّن تقريرات الإمام في علمي الكيمياء والطب « 4 » . واعترف العلماء ومنهم علماء الغرب بالدور البارز للإمام الصادق في علم النجوم

--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 53 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 54 . ( 3 ) سورة يونس ، الآية 101 . ( 4 ) ابن النديم ، الفهرست ، مرجع سابق ، ص 42 .